الشيخ الطبرسي
218
تفسير مجمع البيان
أنه ينحبط ثواب ذلك العمل ، لأنهم لو أوقعوه على وجه تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوقيره ، لاستحقوا الثواب . فلما فعلوه على خلاف ذلك الوجه ، استحقوا العقاب ، وفاتهم ذلك الثواب ، فانحبط عملهم ، فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية ، ولأنه تعالى علق الاحباط في هذه الآية بنفس العمل ، وهم يعلقونه بالمستحق على العمل ، وذلك خلاف الظاهر . ثم مدح سبحانه من يعظم رسوله ويوقره ، فقال : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) أي يخفضون أصواتهم في مجلسه إجلالا ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) أي اختبرها فأخلصها للتقوى ، عن قتادة ومجاهد . أخذ من امتحان الذهب بالنار إذا أذيب حتى يذهب غشه ، ويبقى خالصه . وقيل : معناه أنه علم خلوص نياتهم ، لان الانسان يمتحن الشئ ليعلم حقيقته . وقيل : معناه عاملهم معاملة المختبر بما تعبدهم به من هذه العبادة ، فخلصوا على الاختبار ، كما يخلص جيد الذهب بالنار . ( لهم مغفرة ) من الله لذنوبهم ( وأجر عظيم ) على طاعتهم . ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) وهم الجفاة من بني تميم ، لم يعلموا في أي حجرة هو ، فكانوا يطوفون على الحجرات ، وينادونه . ( أكثرهم لا يعقلون ) وصفهم الله سبحانه بالجهل ، وقلة الفهم والعقل ، إذ لم يعرفوا مقدار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ما استحقه من التوقير ، فهم بمنزلة البهائم . ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) من أن ينادونك من وراء الحجرات في دينهم ، بما يحرزونه من الثواب ، وفي دنياهم باستعمالهم حسن الأدب في مخاطبة الأنبياء ، ليعدوا بذلك في زمرة العقلاء . وقيل : معناه لأطلقت أسراهم بغير فداء ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان سبى قوما من بني العنبر ، فجاؤوا في فدائهم ، فأعتق نصفهم ، وفادى النصف ، فيقول ولو أنهم صبروا لكنت تعتق كلهم . ( والله غفور رحيم ) لمن تاب منهم . ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 6 ) وأعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر